بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 28 أبريل 2014

زمن العشيرة و عزبة الجماعة الذي سقط


زمن العشيرة الذي سقط 

هذا كتابٌ عن جماعة نسيت أن الوطن أهم من العشيرة.




زمن العشيرة الذي سقط
المصدر: الأهرام اليومي
بقلم: أشرف عبدالشافي
التاريخ: 7 مارس 2014

عندما تقرأ كتاب "زمن العائلة" تكتشف أن الذي سقط في 30 يونيو لم يكن فقط نظامـًا فاسدًا قائمـًا على التدليس والمحاباة، بل كان شبكة معقدة تعيد إلى الأذهان القبيلة في صورتها الأولى، فالشعب الذي ثار ضد توريث نجل مبارك فوجئ بعشيرة كاملة تتولى المناصب وتتحكم في مفاصل الدولة. والكاتب ياسر ثابت يقدم في هذا الكتاب المهم معلومات مرعبة عن شبكة المصالح تلك وكيف وزعت الغنائم فيما بينها فور وصولها لحكم مصر.




فى 16 يونيو 2013 أعلنت مؤسسة الرئاسة حركة المحافظين ليصبح عادل عبدالمنعم أحمد حسن، القيادى بالحرية والعدالة محافظـًا لبنى سويف، والمهندس أحمد شعراوى عبدالله محمد رئيس قسم الأخوات بالجماعة محافظـًا للمنوفية، وحسام أبوبكر عضو مكتب الإرشاد محافظـًا للقليوبية، وأحمد محمد أحمد البيلى مسئول المكتب الإدارى للإخوان بدمياط محافظـًا للغربية، والمهندس أسامة محمد إبراهيم سليمان أمين عام الحرية والعدالة للبحيرة محافظـًا لها، والمهندس جابر عبدالسلام عطية القيادى بالحرية والعدالة محافظـًا للفيوم.
كانت تلك هى الخطوة الأولى نحو مشروع التمكين، فهذه العشيرة التى بدأت تتوزع على مؤسسات وهيئات مصر لم تكن وليدة الساعة، فهناك ميراث من المصاهرة والنسب ساهم فى تشكيل خريطة نفوذها، وجعلها عائلة أو قبيلة تتبادل المصالح، بيت خيرت الشاطر نموذجاً لذلك، فالزهراء الابنة الكبرى والأشهر له هى زوجة القيادى الإخوانى المهندس أيمن عبدالغنى نائب رئيس قسم الطلبة بجماعة الإخوان المسلمين، ثم أمين شباب حزب الحرية والعدالة، وهو شقيق كل من د. محمد عبدالغنى عضو مجلس شورى الجماعة، ومسـئول القسم السياسى السابق بالجماعة، وكذلك د. عمر عبدالغنى مسئول مكتب إدارى جنوب القاهرة.
وتزوجت رضوى الشاطر من عبدالرحمن على - أحد القيادات الشابة بقسم نشر الدعوة بالجماعة - بينما تزوجت ابنته سمية إخوانيـًا بارزًا آخر هو الصيدلانى خالد أبوشادي، الذى يشغل منصبـًا قياديـًا فى قسم نشر الدعوة والتربية وحقق نجاحـًا منقطع النظير فى مجاله، بحيث لا يخلو بيت إخوانى من مؤلفاته الدعوية وتسجيلات الإنشاد والأذكار الخاصة به، وهو ابن القيادى التاريخى بالجماعة أحمد أبوشادي، الذى كان مسئولاً عن قسم الأخوات فى بداية نشأته، أما عائشة الشاطر فهى زوجة د. محمد الحديدى مسئول الإخوان المسلمين فى ألمانيا لسنوات طويلة، وهو نجل صالح الحديدى أحد أعمدة النظام الخاص فى الإخوان، وحفصة الشاطر هى زوجة د. مصطفى حسن، فى حين أن مريم الشاطر هى زوجة أحمد على درويش. أما سارة الشاطر فهى زوجة المهندس الإخوانى عبدالرحمن ثروت.
ولم تقتصر علاقات المصاهرة على مكتب الإرشاد، بل تجاوزته لتشمل كل مستويات الجماعة، فالدكتور سليم العوا متزوج من أماني، ابنة حسن العشماوي، أحد أبرز قيادات التنظيم الخاص، أما صفوان ثابت، منسق العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة، وعضو الحملة الانتخابية لمحمد مرسي، فهو صهر مأمون الهضيبى مرشد الإخوان المسلمين الأسبق.
حتى التحالفات الاقتصادية داخل الجماعة، كان لعلاقات المصاهرة مفعول السحر فيها. فحسن مالك رجل الأعمال الإخوانى وشريك خيرت الشاطر وزميله السابق فى قضية الأحكام العسكرية، متزوج من جيهان عليوة شقيقة رجل أعمال إخوانى آخر هو محمد سعد عليوة صاحب شركة الحجاز لتوظيف الأموال، من ناحية أخرى، يعد حسن مالك نفسه حلقة الوصل بين عائلتين من أشهر العائلات الإخوانية هما عائلتا أبوالفتوح والزعفراني، فشقيقته الأولى هى زوجة للدكتور خالد الزعفرانى القيادى الإخوانى الأسبق وابن عم إبراهيم الزعفرانى القيادى الإخوانى السابق، أما شقيقة مالك الثانية فهى زوجة لأحمد أبوالفتوح الشقيق الأصغر للدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح رئيس حزب مصر القوية وعضو مكتب الإرشاد سابقـا، هذا بخلاف علاقة النسب القديمة بين رئيس مجلس الشورى أحمد فهمي والرئيس المعزول محمد مرسى (الأول هو زوج شقيقة الثانى وحمو ابنته)،
وفى عهد المرشد مهدى عاكف، ضم مكتب الإرشاد - حينذاك - أربعة أعضاء بينهم صلات مصاهرة، فوفاء عزت زوجة محمد مهدى عاكف هى شقيقة محمود عزت، نائب المرشد، والرجل الذى ظل لسنوات يُحرك بيديه خيوط الجماعة فى صمت من وراء الكواليس.
وقد تصورت تلك العشيرة أن مصر حلال لها ولأولادها، وعندما تقرأ كتاب زمن العائلة تكتشف أن الذى سقط فى 30 يونيو لم يكن فقط نظاماً فاسداً قائماً على التدليس والمحاباة بل كان شبكة معقدة تعيد إلى الأذهان القبيلة فى صورتها الأولى، فالشعب الذى ثار ضد توريث نجل مبارك فوجئ بعشيرة كاملة تتولى المناصب وتتحكم فى مفاصل الدولة، والكاتب ياسر ثابت يقدم فى هذا الكتاب المهم معلومات مرعبة عن شبكة المصالح تلك وكيف وزعت الغنائم فيما بينها فور وصولها لحكم مصر، لدرجة أن الجماعة اخترعت مناصب إضافية لتمكين قياداتها ولترضية باقى أبناء التنظيم وكان على رأسهم الإخوانى حسن البرنس الذى عُيِّن نائبـًا لمحافظ الإسكندرية فى 18 أكتوبر 2012، كما التحق 13 منهم فى مناصب مستشارى المحافظين، واحتل 12 عضوًا بالجماعة مناصب رؤساء مدن وأحياء موزعة على سوهاج والمنيا وكفر الشيخ والفيوم، بالإضافة إلى مناصب محلية تتصل بإدارة المستشفيات وقطاعات المياه والصرف الصحى والكهرباء والإعلام والتعليم، وهى فى معظمها تتصل بقرارات المحافظين.
وعندما ضاقت المناصب عليهم، امتدت التغييرات إلى محافظات لم تكن ترأسها أى قيادات مدنية مثل شمال سيناء، التى أصبح نائب المحافظ فيها عادل قطامش عضو حزب الحرية والعدالة، وهو أيضـًا عضو مجلس شورى الإخوان المسلمين. وتبيّن أن المستشار الزراعى لمحافظ أسيوط القيادى الإخوانى يحيى كشك، هو حسين راغب، نسيب المرشد العام محمد بديع!، واختير اللواء سمير عجلان المنتمى لجماعة الإخوان المسلمين على رأس محافظة السويس، ليختار بدوره اثنين من أعضاء الجماعة لمنصبيّ مدير الشئون القانونية بالمحافظة، ومدير إدارة التدريب بمديرية الصحة. وقام المهندس سعد الحسيني، النائب السابق الذى عيَّنه الرئيس المعزول مرسى محافظـًا لكفر الشيخ، بتعيين عشرة مستشارين له من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى ستة نواب لرؤساء المدن الأكبر ومنها دسوق وكفر الشيخ ومطوبس.
ومنذ تولى القيادى الإخوانى مصطفى كامل عيسى منصب محافظ المنيا، تم تغيير عدد كبير من قيادات المحافظة، وأصبح وكلاء وزارتيّ الصحة والتربية والتعليم من أعضاء حزب الحرية والعدالة. واتخذ محافظ المنيا مستشارين اثنين له من أعضاء حزب الحرية والعدالة هما أحمد ناجى وأحمد شحاتة، وعيَّن مصطفى حامد وطارق عبدالسلام رئيسين لمركزى العدوة وبنى مزار على الترتيب، وولى أعضاء بارزين بمكتب الإخوان الإدارى بالمنيا فى مناصب مديرى إدارات التخطيط والمتابعة، والمنطقة الصناعية، والتعليم الثانوى بملوي. وتركز انتشار الكوادر الإخوانية فى المناصب التنفيذية فى محافظات الشرقية وكفر الشيخ والمنيا وأسيوط.
ولم تقتصر خطة التمكين على حركة المحافظين ولم تخجل العشيرة من مواصلة مشروع الأخونة ولم تهتم بغضب المصريين وقررت التكويش على المناصب الوزارية أيضاً!، وأصبح نصيب العشيرة من الحقائب الوزارية فى حكومة قنديل ما يقارب الثلث: باسم عودة، وزير التموين، وصلاح عبدالمقصود، وزير الإعلام، وأسامة ياسين، وزير الشباب، وحاتم عبداللطيف، وزير النقل، والدكتور محمد على بشر، وزير التنمية المحلية، والدكتور طارق وفيق، وزير الإسكان، والدكتور مصطفى مسعد، وزير التعليم العالي، وخالد الأزهري، وزير القوى العاملة، وعمرو دراج، وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي، ويحيى حامد وزيرًا للاستثمار، والدكتور أحمد محمود على الجيزاوي، وزيرًا للزراعة!.
ليس هذا فحسب بل امتد وجود أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من المناصب السياسية إلى المراكز الإدارية والاستشارية، عبر اختيار مستشارين ووكلاء للوزارات ينتمون لحزب الحرية والعدالة. ولم يتوقف وجود هؤلاء على الوزارات التى ترأسها وزراء ينتمون للجماعة، بل امتدت عملية نشر المستشارين ووكلاء الوزارات من أبناء الجماعة إلى الوزارات التى لا يُحسب رؤوسها ضمن الجماعة أو حزبها.
احتل أبناء الجماعة منصب المتحدث الإعلامى فى ثلاث وزارات (محمد السروجى للتربية والتعليم، وأحمد عمرو للصحة والسكان، وناصر الفراش للتموين والتجارة الداخلية)، وتولى ثلاثة آخرون منصب مديرى مكاتب وزراء فى حكومة قنديل مثل (محمد عباس لوزارة الرياضة، ومحمد عبدالعزيز لوزارة الدولة لشئون الآثار)، بينما بلغ عدد المستشارين المنتمين للجماعة 13 مستشارًا موزعين على وزارات: التعليم والمالية والتجارة والأوقاف. واستحوذت وزارة الصحة وحدها على أربعة مستشارين وأربعة مساعدين للوزير ينتمون للجماعة.
ومن اللافت أن الجماعة عززت وجودها فى وزارتيّ الصحة والتعليم بأكبر عدد من المستشارين ووكلاء الوزارة ورؤساء القطاعات، رغم أن الوزيرين لا ينتميان لجماعة الإخوان المسلمين. وقرر وزير الثقافة د. علاء عبدالعزيز انتداب د. خالد فهمي، القيادى فى جماعة الإخوان المسلمين بمحافظة المنوفية، لتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية. ويعد فهمى أحد مُنظرى الجماعة فى المجال الثقافي، وهو أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة المنوفية.
وكانت تلك آخر أحلام العشيرة التى تحطمت وتحولت إلى كوابيس مع ثورة الشعب فى 30 يونيو لإسقاط هذا النظام الفاسد الذى تعامل مع مصر باعتبارها عزبة الجماعة.
الكتاب: زمن العائلة - صفقات المال والإخوان والسلطة
المؤلف: ياسر ثابت
الناشر: دار ميريت.
 



فقد صدمت جماعة الإخوان المسلمين كل من كانوا يتوسمون فيها خيرًا، وأهدرت الفرصة تلو الأخرى، ورسبت في تلك الاختبارات، واكتفت بانغلاقها، والسعي إلى الاستحواذ على المناصب ومواقع صنع القرار، وتهميش المعارضة وإقصاء الأصوات الغاضبة من خطط التمكين، وكأن مصر غنيمة لهؤلاء وليست وطنـًا لكل المصريين.
هذا الولاء العشائري الذي حكمته انتماءات الجماعة وعلاقات النسب والمصاهرة وشبكة المصالح، أغرق مصر في دوامةٍ لا تنتهي من الأزمات، وأدى إلى فشل ذريع في وقف نزيف دمائنا المتواصل على قضبان السكك الحديدية وفوق الطرق وتحت أنقاض البنايات، وأمام قصر الرئاسة ومقر الداخلية.
طوال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، كنا إزاء أوضاع بلدٍ اختل فيه مقود القيادة، الذي تُمسك به جماعة تحتاج ثورة داخلية تنقلها إلى العصر الحاضر، وتعيد الضوء إلى عقول ترتضي الظلام، وتعيش في عصور ما قبل السياسة.
لقد أظهرت بواكير حُكم الإخوان المسلمين في مصر حالة من التردي والارتباك والتعثر، وإن يكن مُنظرو الجماعة ومن والاهم ساقوا مبررات قلة الخبرة وإرث العهد السابق ومؤامرات المعارضة، وحتى الدولة العميقة، للتخفيف من هذا الإخفاق في تجربة الحُكم.
غير أن هذا التردي لم يتأت في الأساس من قلة الخبرة السياسية في الحُكم، وإنما يعود إلى ضبابية رؤية جماعة الإخوان المسلمين للممارسة الديمقراطية، وعدم استيعابها لمتغيرات العصر وحاجاته بمشروع وطني عابر للجماعات والطوائف والفرق والأعراق، وانغلاقها على مشروعها الذي لم يلامس تطلعات المصريين بعد ثورة 25 يناير، فضلاً عن نكوصها عن تعهداتها السابقة التي تتعلق بالالتزام بمبدأ الشراكة السياسية والسلم الاجتماعي ومدنية الدولة.
لعل أخطر مستوى لإخفاق الإخوان المسلمين هو فشلهم في أن يكونوا جزءًا من الزمن؛ من تقدمه وتطوراته ومن سرعته. وربما جاز القول إن الجماعة وقعت في خطيئة "الاعتصام في الزمان"، قبل أن تعاند وتكابر وتعتصم لاحقـًا في المكان – رابعة العدوية والنهضة مثالاً- لتصبح فريسة التشوش الذهني، أو حتى ما يمكن وصفه بـ"التسوس الفكري"، الذي أجهز على الجماعة، فلم يُبق ولم يذر.
ومن المرجح أن يكون لهذا الفشل دور في سرعة تهاوي نظامهم واستهلاك حقبتهم، والحال أن خلل علاقة الإخوان المسلمين بالزمن، تم اختباره على نحو مأساوي منذ ثورة 25 يناير وصولاً إلى ثورة 30 يونيو. فقد سقطوا في فخ السلطة، وانتهجوا سياسات إقصائية، إن لم تكن إلغائية، حتى ينفردوا بالمشهد السياسي، إلى أن تعثروا وانهاروا في اختبار الإرادة الشعبية.
والاستقطاب الأيديولوجي وصفة مجربة للفوضى والفشل.
الأمر الآخر، هو أن الانضباط التنظيمي في جماعة الإخوان المسلمين، وتفويض قادة الجماعة اتخاذ القرارات دون مناقشة أو مراجعة، كان سببـًا - في ظل السرية والتكتم اللذين يحيطان بتلك الجماعة- في ارتكاب أخطاء فادحة واتخاذ مواقف مغلوطة وقرارات متسرعة، أضرت بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر، خاصة بعد تولي الإخوان السلطة.
وحتى لا تُنسي كثرة الكلام بعضه، نقول إن مبدأ السمع والطاعة، على قاعدة النسخ والمسخ، يمثل إحدى المشكلات الجوهرية في عقلية الإخوان المسلمين، الذين يربون أعضاء هذا التنظيم على القولبة وإطاعة الأفكار الرجعية والمفاهيم المغلوطة، ويحجبون عنهم فضيلة التفكير وإعمال العقل وحرية النقاش البنّاء لإنتاج إطار فكري يمثل تطورًا تحديثيـًا للتراث المحافظ.
وليس خافيـًا على أحد وجود سمات خاصة وأنماط تفكير معينة وآليات تعامل محددة لدى الأشخاص المهيئين والمنضمين للتنظيمات السرية. هذه السمات تحكم علاقات هؤلاء الأفراد وسلوكياتهم وربما رؤيتهم للآخرين.
كرر الإخوان على طول الخط نغمة الاحتكام إلى صندوق الانتخابات، مع أن نتائج الصندوق يجب أن تقترن بمسارات الرضا الشعبي عن الأداء والسياسات، وإلا جازت المراجعة والمحاسبة من جانب السلطتين التشريعية والقضائية فضلاً عن الرأي العام. وفي غمار انشغالهم بالتمكين للجماعة، نسي الإخوان المسلمون الذين تورطوا في رقصة الموت التي شهدتها مصر، أنهم بمواقفهم المرتبكة وممارساتهم الخاطئة، إنما يعملون على تجريد مصر من مقامها، وقيمتها.
لم تستفد جماعة الإخوان المسلمين من الآلية الديمقراطية التي أوصلتها إلى سدة الحُكم، من خلال تعزيزها روحـًا وممارسة، بما يشيع أجواء الثقة في العملية الديمقراطية وإمكانية تداول السلطة سلميـًا. انكفأت الجماعة على نفسها، ودخلت في خصومة مع المجتمع، وأمعنت في تكتيكات حزبية وضيقة، لا تتفق مع روح الدولة وسياساتها ورحابة أفقها، على صعيد الانفتاح والمشاركة وتغليب روح الوطنية والدولة على نوازع التحزب والانغلاق والتقولب، الأمر الذي كان نذيرًا بفشل أي مسعى للانتقال أو التحول الديمقراطي.
تكرر سيناريو الغضب الشعبي العارم ضد رئيس فاشل، عجز عن إدارة بلدٍ بحجم مصر، وغرق في مستنقع التحيز للأهل والعشيرة. فإذا كانت ثورة يناير هي المبتدأ فثورة يونيو هي الخبر، بعد أن نجح المصريون في حشد الصفوف لوقف مغامرة الأخونة والتمكين، التي أنزلت بمصر وأهلها الكثير من الضرر.
في الطريق إلى 30 يونيو، أعاد الإخوان المسلمون إنتاج الديكتاتورية ولكن بنكهة مختلفة. ربما تغيرت الأسماء، لكن الأدوار بقيت محفوظة؛ إذ تصدر المشهد من يحاولون ملء فراغ اللاعبين القدامى ولعب الأدوار نفسها، سواء من يؤدون دور الحكومة أو من يمثلون أصحاب المصالح والنفوذ على الأرض. هكذا بدا الإخوان المسلمون كما لو أنهم يسعون إلى استكمال مسيرة دولة مبارك ولكن برجال المرشد.
تجربة أخرى تثبت أن كفاءة القيادة تقاس بمقدار استجابتها لمسؤولية التحدي التاريخي الذي تواجهه، ونيلها رضاء الشعب واتحاده وراء رؤية وطنية جامعة، فإذا أخفقت القيادة في مهمتها، فإن علينا واجب التقويم والتنبيه إلى هذا التقصير وتلك الغفلة.
لقد عانينا طويلاً في مصر أسلوب المزايدة، وسلوك المكايدة، ولدد الخصومة، حتى أخذ الوطن يئن من تلك الممارسات غير المسؤولة، التي تآكلت معها مصداقية مؤسسة الحُكم، كما تآكل رصيد الثقة المجتمعية. ومع كل أزمة، كانت السلطة تحت حُكم الإخوان تروج لبضاعة المؤامرة وترتاح لهذا التفسير وتركن إلى هذا التبرير. وشهدنا أفعالاً وقرارات وتصرفات تورث معاني الحيرة وتثبت مسار الهواجس حول الاستحواذ والتمكين والأخونة.
وما دار من نزال وصراع فوق عظام المصريين طوال شهور الغمة، جاء في إطار وهم يعشش في دماغ جماعة الإخوان المسلمين بأن مصر بعد ثورة يناير كعكة ينبغي التهامها قبل أن يلتهمها باقي الشركاء في هذا الوطن. ومن أجل الفوز بالوليمة أو الغنيمة، ارتمى الإخوان المسلمون على شواطئ الإسفاف، باستخفافٍ شديد، وجهل بأن هناك بلدًا وشعبـًا بأكمله على المحك.
من هنا، تعد الحالة المصرية نموذجـًا اجتمعت فيه صعوبة الموقف مع خطورته.
إن التاريخ تصنعه حقائقه قبل نيات اللاعبين على مسارحه؛ لذا فإن حديث الأفكار الحسنة ليس كافيـًا ما دام الواقع يجافي ذلك، كما أن السكوت والسكون قد يكونان عنوان الانهيار وتداعي مشروع بناء وطن أفضل من مختلف النواحي. والصمت عن إخفاق ثورة يناير في تحقيق أهدافها بسبب سلطان لم يعرف كيف يسوس الحكم، لم يكن واردًا بأي حال.
لذا هبّ المصريون في الشوارع والميادين، في مختلف محافظات مصر، في احتجاجات 30 يونيو التي عبَّرت عن رغبة المواطن العادي طرفـًا أساسيـًا في معادلة المستقبل. وبغض النظر عن الجدل البيزنطي الذي دار حول ما إذا كان ما جرى هو ثورة أم انقلاب، فقد قدمت تلك الملايين في ميادين مصر دليلاً إضافيـًا على تعطش المصريين للتحول الديمقراطي وفق أسس سليمة تتجاوز عثرات الحاضر وارتباكاته وخطاياه.
في 30 يونيو، رأينا غالبية المصريين في حالة حراك شعبي رفضوا فيها الاستكانة إلى الانخداع، وهو كثرة الكلام وقلة العمل، وإثارة الضجة دون شيء يُذكر؛ لم يرض أبناء مصر بأن تتشابه مآلاتهم مع جملة النهاية الشهيرة لفيلم عاطف الطيب "ضد الحكومة" على لسان أحمد زكي: "أنا ابن هذه المرحلة والمراحل التي سبقتها، هنت عندما هان كل شيء، وسقطت كما سقط الجميع في بئر سحيقة من اللامبالاة والإحساس بالعجز وقلة الحيلة، كلنا فاسدون.. لا أستثني أحدًا حتى بالصمت العاجز، الموافق، قليل الحيلة".
قدم المصريون الوطن على الفصيل، في تصويب للمسار وتصحيح للمعادلة.
وهذه هي نقطة البداية، التي يتعين أن ننطلق منها نحو مستقبل أفضل لمصر وأبنائها.
أما وقد سقط مرسي لأنه لم يحترم شرعيته التعاقدية بعد عام كامل من الحُكم، فإن عقدًا جديدًا قد تم توقيعه فى الثالث من يوليو في بيان عام تضمن التزامات وتعهدات وخارطة طريق أعلنها وحضرها وزير الدفاع وشيخ الأزهر وبابا الكنيسة وممثلون لكل من حزب النور وجبهة الإنقاذ والمرأة والشباب.
على كل الأطراف بدءًا من هذه اللحظة الفارقة أن تفكر في الطريق إلى بيتٍ للوطن، نؤمن فيه بحق الاختلاف، ونتوقف فيه عن التكفير والتخوين، وعن تبادل الاتهامات الكاذبة والعبارات البذيئة على الجدران، وفي وعي الأجيال الأصغر سنـًا.
في هذه المرحلة من تاريخ مصر، لا مفر من العودة إلى مفهوم التعاقد كأساس للشرعية، ولا بديل عن المزاوجة بين تأييد المحاسبة القانونية الناجزة للأفراد المتورطين وللكيانات المتورطة في ممارسة العنف أو التحريض عليه وبين حماية الحقوق والحريات ورفض كل الإجراءات الاستثنائية التي تعصف بها وتنذر بتعميم العقاب دون دليل.
أتمنى لكم قراءة مفيدة وممتعة في آنٍ معـًا.

ليست هناك تعليقات: